Sunday, February 5, 2017

موقف أحمد مطر من مصطلح "قصيدة النثر"



لو كان الشعر مجرد وزن وقافية لأصبحت المنظومات التعليمية شعرا

فليبتكروا مصطلحا مناسبا للنثر الإبداعي غير الشعر


كنت في تدوينات سابقة عن لقائي بالشاعر الكبير -الغائب إعلاميا الحاضر إبداعيا- أحمد مطر قد نوّهت عن مسؤوليتي عن أي خطأ في السرد والمعلومات، لاعتمادي فيه على الذاكرة التي أعنتها ببعض رؤوس الأقلام على أوراق صغيرة، لذلك أكتب اليوم تصحيحا لمعلومة وردت في التدوينة الخامسة، عن موقف أحمد مطر من الشعر الحر، ورأيه في الشعر، حيث ورد فيها قوله إن الشعر هو الكلام الموزون المقفّى، وقد تلقّى أحمد مطر عتبا ممن قرأها، ورأى فيها ظلما للشعر بإدخال المنظومات التعليمية والكلام المرسل فيه. فرغب مطر في توضيح رأيه الكامل حول الشعر.


وهذه الرغبة أبطأت بتنفيذها عادتي السيئة في التأجيل والتسويف، حتى إذا ما وجدت النقاش حول الشعر الحر وقصيدة النثر ساخنا هذه الأيام، بين مؤيدين ومعارضين، أدركت خطأي وأسرعت بتصحيحه بالجلوس إلى الطاولة لأنقل إلى شاشة الحاسب ما وضحّه مطر عبر اتصال هاتفي عن رأيه في الشعر وقصيدة النثر. 

لا يقول أحمد مطر إن الشعر هو الكلام الموزون والمقفّى بل يرى أنه الشعر الموزون المقفّى، وإلا لأصبحت المنظومات التعليمية واللغوية شعرا، فابن مالك نظم ألفيّة ًلكن لم يبدع شعريا على الإطلاق، ويرى مطر أن الوزن والقافية من عوامل الشعر، وهذا هو منطلقه لمعارضة تسمية قصيدة النثر من باب حفظ المصطلحات، لأن القصيدة تأخذ مصطلحها من الأخيلة والبلاغة والدهشة المضمّنة داخل بناء من الوزن والقوافي، يبقيها حيّة بما يوفّره من رنينٍ وأداء فني. ومن شواهد حاجة القصيدة للموسيقى الأمسيات الشعرية المصحوبة بالعزف، بينما الوزن يوفّر الموسيقى للشعر داخل القصيدة، ويزيدها سحراً مع القافية.

وهو يرى أن الشعر قد يوجد في النثر، فلا يمكن وصف بعض النثر بأنه نثر مطلق، ومعاملته كمعاملة مقال أدبي أو علمي، لأنّ في هذا النثر الشعر والتصوير والبلاغة وإلإيجاز وخلافها من مقومات الإبداع، فهو إذن عمل إبداعي وليس بحثاً أو دراسة طبية أو لغوية. ويضيف بأن الشعر موجود في كل مناحي الحياة، فقد يوجد في الروايات والأفلام السينمائية والنكتة والموسيقى والقصة والعمل المسرحي والنثر العادي، إلا أن تسمية القصيدة ليست مناسبة للنثر، فالقصيدة التي هي عوامل متعددة من الدهشة والصور والإيجاز والبلاغة والأخيلة المجنحة، والبلاغة والتورية والبيان والكناية والبديع، تضع كل ذلك وغيره في إطار من الوزن والقافية والنغم، وهذا ما ينبغي أن يتضمنه مصطلحها.

وقد كتب مطر سطورا عميقة، مثل أحاديث الأبواب لكن لم يسمّها قصيدة بل أسماها نصوصا، حفظا للمصطلحات، ويرى أن الأجانب عندهم مواقف شبيهة تجاه هذه الإشكالية كما هو الحال لدى الإنجليز والفرنسيين. ويرى أن القصيدة العربية بإبداعها الشعري المحتفظ بالوزن والقافية كنز يجب المحافظة عليه، والعرب يقدّمون فنهم كما هو، مع التجديد في الروح والنظرة. وصحيحٌ أنه إذا تُرجم قد يذهب  بعض المدهش منه، لكن يبقى عند الترجمة جوهر الشعر فيه، كما يحدث عند قراءة شعر مترجم لطاغور ونيرودا وغيرهم من أسبان وفرنسيين، فهو يدهش من قرأه بغير لغته الأصلية رغم خلوه من الوزن والقافية.





ويدعو أحمد مطر للبحث عن مصطلح مناسب للنثر الإبداعي غير القصيدة، حتى يميّز المتلقي بين المصطلحات، والمهم احتفاظ كل فن وشكل بروح الفن والإبداع.

وبرأيي أن موقف أحمد مطر تجاه الوزن والقافية ليس مستغربا، فهو ممن يُحسب لهم التجديد والابتكار في الأوزان الشعرية، ومن أمثلة ذلك قصيدته ميلاد الموت التي زاوج فيها بين مجزوء الخفيف والمجتث، وهنا حديثه عنها في لقاء قديم له مع موقع الساخر وأظنه عام ٢٠٠٢.




كما أن موقفه ثابت لم يتغيّر تجاه مصطلح قصيدة النثر والشعر بشكل عام، ويكشف ذلك مقال قديم كتبه في مجلة الناقد في عددها السادس لشهر ديسمبر عام ١٩٨٨، أرفقت صورة مقطع منه يخص الوزن والقافية، ثم وضعت المقال كاملا لتبيان وجهة الشاعر في الشعر بشكل عام والحداثة التي كانت في أوجها تلك الأيام، ويحمل المقال روح السخرية اللاذعة التي ميزّت شعر أحمد مطر ونقلها إلى نثره.






Sunday, December 6, 2015

ببليوجرافيا الدراسات والمقالات النقدية عن شعر أحمد مطر


القيام بحصر أعمال ودراسات في موضوع معين يتطلب جهدا كبيرا لجعل هذه الببليوجرافيا (أو فهرس المراجع والمصادر) مرجعا موثوقا لكل ما كتب شرقا وغربا حول هذا الموضوع حتى تاريخ النشر. لذلك لا أرى هذا العمل المتواضع الذي قمت به يمكن تصنيفه ببليوجرافيا، ومع ذلك اخترت له هذا التصنيف أملا بأن يصبح كذلك في المستقبل، لذلك ستكون هذه التدوينة مسودة أكثر منها عملا متكاملا، لكنها ستكون دائمة التحديث بإذن الله، وذلك بمساعدة قارئها، وكل مهتم بسيرة ومسيرة الشاعر أحمد مطر. فيصبح القارئ والمهتم مساهما في إكمالها عبر تصحيحاته، وإرساله لما نقص من رسائل ومقالات لتكون مرجعا للباحثين والدارسين والقراء.

اعتمدت في هذا الحصر على المنشور والمذكور في الانترنت، بسبب صعوبة الرجوع للمكتبات العربية، وبالطبع فإن الاقتصار على مصدر وحيد سيحرم من الاستفادة من المصادر الأخرى الهامة، وحاولت أن أرفق مع كل مرجع نسخة PDF من البحث متى ما توفرت، وفضلت تحميلها على موقع شخصي بدل الإحالة إليها بروابط في مواقعها الأصلية لأن تلك المواقع تتعرض للإغلاق فربما يحرم القارئ من الحصول على الرسالة أو المقالة بسبب الإغلاق. وسأحدث إن شاء الله التدوينة بكل ما يستجد من رسائل ومقالات إن توفرت أو أرسلت من قبل يتطوع مشكورا للتصحيح أو التعديل أو الإضافة.

وأنبه إلى أني وضعت في الجزء الأخير "مقالات نقدية"، جمعت فيها المقالات النقدية التي لم أجد لها رابطا أو ذكرا لنشرها في مجلات علمية محكمة.

وأخيرا، وربما ليس له علاقة بموضوع المدونة، ولكنه ذو صلة بالشاعر وسيرته، أرفق لقاء كنت سعدت وتشرفت به مع الشاعر في العام الماضي، وتحدثت عنه في خمس تدوينات، جمعتها في هذا الرابط:




ببليوجرافيا الدراسات والمقالات النقدية عن شعر أحمد مطر


رسائل دكتوراه


السعيدي، عبدالكريم (٢٠٠٨). شعرية السرد في شعر أحمد مطر: دراسة سيمائية جمالية في ديوان لافتات. رسالة دكتواره، جامعة الكوفة، العراق

عبيد، عبدالمنعم جبار (٢٠١٠). التّناص في شعر أحمد مطر. رسالة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، العراق



رسائل ماجستير

الأزرقي، أحمد عباس كامل (٢٠١٠). التناص معياراً نقدياً: شعر أحمد مطر أنموذجاً. رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، العراق 

الأسدي، مسلم مالك بعير (٢٠٠٧). لغة الشعر عند أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة بابل، العراق

سليمان، عبدالمنعم محمد فارس (٢٠٠٥). مظاهر التناص الديني في شعر أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين

العلجة، مودود (٢٠٠٩). السمات الأسلوبية في شعر أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة يحيى فارس، الجزائر

غنيم، كمال أحمد محمد (١٩٩٧). عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين

محمد، أحمد مطر (٢٠١٥). أسلوب الاستفهام عند الشاعر العراقي أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة تكريت، العراق

محمد، محمد وليد (٢٠٠٧)، الخطاب الشعري في لافتات أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة البصرة، العراق

محمود، سالم صباح (٢٠٠٧)، الصورة السياسية الساخرة في شعر أحمد مطر. رسالة ماجستير، جامعة صلاح الدين، العراق



دراسات منشورة في مجلات علمية


بنصالح، نوال (٢٠٠٩). شعرنة النكتة: دراسة في لافتات أحمد مطر. مجلة المخبر، (٩)

جمعة، نجوى محمد (٢٠١٣). أساليب السرد القصصي ووسائله في شعر احمد مطر. مجلة دراسات البصرة، (١٦)

الدخيلي، حسين علي عبد الحسين والمولى (٢٠١٣)، عبد فريح كاظم وعبدالجليل، عبدالوهاب. سيمياء العنوان في شعر أحمد مطر. مجلة ميسان للدراسات الاكاديمية، ١٢ (٢٣)

الدهلكي، رحاب لفته حمود (٢٠١٤). الرمز في شعر أحمد مطر. مجلة كلية التربية الأساسية، (٢٠)

الشمري، ثائر سمير (٢٠١٠). قيمة التضاد في الخطاب الشعري لأحمد مطر، مجلة جامعة بابل، ١٨ (١)

طه، رفل حسن (٢٠١٠). قصيدة اللافتة: أحمد مطر أنموذجاً. مجلة جامعة كربلاء العلمية، ٨ (٤)

عامري، شاكر، وصياداني، علي، وأسدي صديقة (٢٠١٥). أسلوب شعر أحمد مطر السیاسي: رؤية نقدية. مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، (١)

عباس، تحسين فاضل (٢٠١٤). التماسك النصي في شعر أحمد مطر: قصيدة العشاء الأخير أنموذجا. مجلة اللغة العربية وآدابها، (٢٠)

عبدالعالي، حافظ كوزي (٢٠١٢). السخرية الهادفة في شعر أحمد مطر. مجلة اللغة العربية وآدابها، ١ ( ١٥)

العقابي، سالم عبدالنبي جابر (٢٠١١). توظيف الموروث العربي والإسلامي في شعر أحمد مطر: قـراءة في التناص. مجلة جامعة ذي قار العلمية، (٧)

العكيلي، حيدر برزان سكران (٢٠١١). تشبيه التضاد في شعر أحمد مطر: دراسة في التركيب والدلالة في ديوان لافتات. مجلة آداب ذي قار، ١ (٤)

فتاح، علي عبدالرحمن (٢٠١٥). التناص القرآني في قصيدة (بلاد ما بين النحرين) للشاعر أحمد مطر. مجلة آداب الكوفة، ١ (٢١)

فريحي، مليكة (٢٠١٣). تحليل الخطاب: أمثلة تطبيقية على قصائد لأحمد مطر، مجلة عود الند، ٨ (٨٩

فضالة، حسن غانم (٢٠١٣). أنماط المفارقة في شعر أحمد مطر. مجلة كلية التربية الأساسية، (١٠)

لعيبي، محمد قاسم (٢٠١٢). أنساق الهيمنة والتمثيل في شعر أحمد مطر: صورة الغرب أنموذجاً. مجلة جامعة كروك، ٧ (٣)

لفته، خالد جفال (٢٠١٢). التناص القرآني في شعر أحمد مطر. مجلة دراسات البصرة، (١٤)

معروف، يحيى (٢٠٠٨). أساليب استخدام الفکاهة في تصاوير أحمد مطر الفکاهية. مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية و آدابها، (١٠)

المنصوري، حافظ كوزي (٢٠١٢). التوظيف القرآني في شعر أحمد مطر. مجلة آداب الكوفة، ١ (١٣)

هوج، پرويز أحمدزاده (٢٠١٥). التناص القرآني في شعر أحمد مطر ومهدي أخوان ثالث. بحوث في الأدب المقارن، (١٦)

ياسين، معتز قصي (٢٠١٢). الاغتراب في شعر أحمد مطر. مجلة دراسات البصرة، (١٤)

ياسين، نضال إبراهيم (٢٠٠٨). آليات الرفض والتمرد في شعر أحمد مطر. مجلة أبحاث البصرة، (٣٣)




مقالات نقدية:

أبو عمرو، فؤاد. المنهج الجمالي: قراءة نقدية تطبيقية لقصيدة الشاعر أحمد مطر على باب القيامة وبعض لافتاته

الأسطه، عادل. فن (الأبجرام) في الأدب العربي :أحمد مطر ولافتاته

البدراني، محمد جواد حبيب. المرجعيات التراثية للمفارقة في شعر أحمد مطر

البصري، ياس عوض. الأثر القرآني في شعر أحمد مطر: بحث في آلية التناص

الجميلي، صالح علي. السخرية في شعر أحمد مطر

الجميلي، صالح علي. دراسة تحليلية عن الشاعر أحمد مطر

رضا، محمد جبران. آليات الخطاب النقدي في شعر أحمد مطر

سعود، حمادي خلف. الحدث الدرامي في شعر أحمد مطر

العذاري، ثائر. المفارقة في شعر أحمد مطر
المفارقة في شعر أحمد مطر

غنيم، كمال أحمد. المفارقة التصويرية في شعر أحمد مطر


Monday, June 29, 2015

أميرا الأدب


أميرا الأدب 





من حسنات جامعة الملك سعود أيام دراستي فيها، أن وفرت لطلابها دورات تدريبية وثقافية متنوعة الأغراض، ورسوم الاشتراك فيها رمزية لا ترهق ميزانية الطالب، التحقت بإحداها، وكانت تقام مساءً بمعدل محاضرة واحدة في الأسبوع، جذبني عنوان الدورة، وهو فن الخطابة، أحسست أنه سيساعدني على تحسين الإلقاء وتنظيم الأفكار. 

دلفت إلى القاعة في أول محاضرة، فوجدت أمامي كهلا وقورا سبقنا نحن الطلاب إلى القاعة، كان جالسا خلف طاولة مستطيلة مواجهة لطاولات الطلاب، يقرأ كتابا يقتل به لحظات الانتظار ريثما يبدأ وقت المحاضرة ويكتمل المسجلون فيها. لا يقطع عليه استغراقه في القراءة إلا الرد على سلام كل طالب يدخل القاعة. ابتدأت المحاضرة وانطلق صوت المحاضر هادئاً حتى لا يكاد يسمع، وفصيحاً حتى لا يكاد يلحن، كأن كلماته قبل مغادرة فمه تمر على مدقق نحوي يضبط حركاتها وحروفها. اختار لنا كتاب ديل كارنيجي “فن الخطابة والإلقاء” مرجعا دراسيا، وبقينا أسابيع نتداول فصوله، ونلقي على مسامع الأستاذ خطبنا المجلجلة، وبعد كل خطبة عصماء يدور النقاش حولها، نستدرك على صاحبها أخطاءه ونقاط ضعفه، ليتخلص منها في الأسابيع القادمة.




عمر بهاء الدين الأميري
كان من الممكن أن يزورني الملل كعادته مع الروتين والانضباط، ويزين لي حجج الانقطاع عن الدورة رفقا بي من المشاوير التي أقطعها ما بين حيي الجامعة والروضة، وضغط الدراسة التي تتنافس فيها الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من الصداعيات على اقتسام ما تبقى من خلايا الدماغ. لكن المتعة التي وجدتها في هذه الدورة كانت لا تقاوم، انتهت محاضراتها ووددت أن لم تنته، وجرفتني الحياة والدراسة فنسيت معها الدورة وذكرياتها إلى أن قابلت ربما بعد عقد من السنين د. وليد قصاب، الناقد والأديب، فتذاكرنا الشعر والشعراء، وأبدى إعجابه بقصيدة محكمة السبك والتصوير، عن أبٍ صوّر افتقاده لأطفاله بعد خلو البيت منهم، وأبدع في نقل حنينه لشغبهم ودلعهم وبراءتهم، كان هذا الأب الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري وقصيدته "أب" كتبها بعد أن سافرت عائلته وأولاده الثمانية إلى "حلب" تاركينه للخلوة والوحدة في مصيف "قرنايل" عام ١٣٧٧هـ، ما إن ذكر الاسم حتى نشط الجزء الخاص بحفظ الأسماء في ذاكرتي، وهذا الجزء بالذات أشعر أنه معطوب منذ الطفولة، فهو يفقد من الأسماء أكثر مما يحفظ، ويوقعني في ورطة مع أصدقاء وأحباب تتبخر أسماءهم رغم معرفتي الوطيدة بهم، فأضطر لمصارحتهم بتاريخي المحبط مع حفظ الأسماء، استرجع هذا الجزء المعطوب اسم الدكتور الذي درسني “الخطابة” في مساءات جامعية، فقد كان اسمه أحمد البراء الأميري، وعندما بحثت وسألت عنه وجدت أن أستاذي هو ابن لعمر الأميري، فخجلت من قلة علمي بالعلمين الأب والإبن. 



مرّت سنوات بعد هذا الاكتشاف، انغمست فيها في العمل صباحا ومساء فلم أجد وقتا لبدء رحلة البحث عن الأستاذ من جديد، وأنستني مشاغل الحياة هذه الأمنية، حتى كانت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي جمعت العالم في قاعدة بيانات واحدة، فالتقى الغريب بأهله، وصافح رفاق العمر بعضهم من أماكنهم المتنائية المترامية في قارات الأرض. وفي غمرة هذه الثورة صحوت يوماً على رسالة من أستاذي الغائب الحاضر، جاء فيها: 



لم ألم نفسي على خطئها الإملائي النحوي في نسيان الألف في كلمة “أخرويا” فلا تلام لو أخطأت رهبة من أحد أساتذتها. ولم أعرف كيف أعبر عن مفاجأتي بهذا الحدث السعيد، ونسيت أن أسأله حتى هذا اليوم إن كانت ذاكرته قوية بحيث تعرفت على أحد طلابه العابرين، أم أن تعقيبه كان على مغرد لا يعرفه من قبل. 

انتهزت إجازة سانحة في الرياض لأطلب لقاءه، وبعد الاتفاق تعذر اللقاء، فمرت سنة أخرى، إلى أن تدخل عنصر المفاجأة مرة أخرى، وكأن ما يحدث رواية خيالية يفرط كاتبها في استخدام عنصر المفاجأة ليملأ الصفحات بالتشويق. كنت في مطار جدة استعدادا للإقلاع إلى الرياض، وكالعادة حضرت مبكرا لأتلذذ بطقوس القراءة مع كوب من القهوة على منظر من الطائرات المستعدة للإقلاع، مع أن هذه العادة الجيدة قد تتغلب عليها أحيانا عادة سيئة في الانشغال بوسائل التواصل متابعة وكتابة. ذهبت إلى مقهى المطار، وأثناء طلب القهوة لفت نظري رجل تقدّم به العمر، منحنٍ على جهازه اللوحي، تفرّست في ملامحه، ووجدتها مطابقة لأستاذي الذي لم تتح لي الظروف مقابلته. وما إن استلمت كوب القهوة من البائع، حتى قررت التوجه له، قطعت عليه صمته، قائلاً: عفوا، هل أنت د. أحمد البراء الأميري؟، فلما أجاب بالإيجاب، ضحكنا من الحظ الذي منعنا من اللقاء بالرياض ليجمعنا في مطار جدة، لنعود منها إلى الرياض في طائرة واحدة، وجدت أن نفسه الشابة لم تمسها عواصف العمر، فابتسامته الطازجة كما هي، ودعاباته وسرعة بديهته متقدة، لكن جسده لم يستطع مقاومة ناموس الحياة، فارتعشت يداه وانحنى ظهره، ولم يعد يستطيع سوى حمل حقيبة يد صغيرة خفيفة كي لا يؤثر وزنها على ظهره، رغم التفاؤل الذي تحمله كتاباته دائما في “تويتر”؛ إلا إنها تخرج كاللحن الأخّاذ من أصابع تصافح بارتعاش أصابع البيانو. 

ولما دعانا المذيع الداخلي إلى التوجه إلى بوابة السفر، لم أستطع احتمال رؤيته واقفا بعد كل هذا العطاء وراء طابور طويل من الأصحاء، فاتجهت إلى موظف شركة الخطوط مصحوبا بنظرات الواقفين الغاضبة، لأنبه الموظف باستثناء الحالات الإنسانية ومنها المسنين، وتقديمهم على غيرهم، اقتنع مشكورا بعد مفاوضة قصيرة، وكتبت ذات يوم مقال من وحي هذه الحادثة: 



بعد العودة إلى الرياض، اتفقت مع الأميري على اللقاء في بيته، كانت جلسة قصيرة ماتعة مليئة بالذكريات والطرائف والنوادر، تطرق الحديث فيها إلى ذكرياته مع والده الشاعر السفير عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله، ومنها علاقته بالثائر الوطني الشاعر اليمني محمد الزبيري. 



ثم ذهب بنا الحديث إلى علاقات الدكتور أحمد البراء الأميري بالمناشط الثقافية والمثقفين، وإلى رسالته إلى نزار قباني، الذي كان يرى فيه شاعر مبدعا، يسوءه منه فقط مساسه بالدين والقيم في بعض شعره، فأرسل إليه مهنئا بسلامته وناصحا بإشفاق له.وجدت هذه الرسالة منشورة في موقع الألوكة، وأوردها هنا:

رسالته إلى نزار قباني بتاريخ ١٤١٨هـ 


كما وجدت له نماذج وصورا من مشاركاته الثقافية في مجتمع الرياض الأدبي، منها مشاركاته في الصالون الأدبي الشهير “خميسية عبدالعزيز الرفاعي” رحمه الله:

مشاركته في خميسية الرفاعي بتاريخ ١٤١٢هـ

ومشاركته في أحدية الدكتور راشد المبارك رحمه الله عام ١٤٠٩ في أمسية بعنوان "في حضرة البحتري":



ولأن من كرم ضيافة الأديب إهداؤه كتبا للضيف، فقد تشرفت بثلاث هدايا، وهي مختارات من شعر عمر بهاء الدين الأميري بعنوان “الأميريات”، وكتاب فن التفوق والنجاح، وكتاب اللياقات الست:منهاج حياة، وهذا الكتاب الأخير -كما ذكر قريبٌ من قلبه، لأنه يرى فيه خلاصة تجربته في الحياة، وعونا لكل شاب يرغب تنظيم حياته وتحقيق أهدافه، وكان هناك مشروع -لا  أدري إن تمّ أم لا- لتحويل هذا الكتاب ونصائحه إلى مقاطع على اليوتيوب.

دعواتي لأستاذي في هذا الشهر الكريم أن يديم الله عليه الصحة والعافية، ويبارك في عمره وعلمه وعمله. 








Monday, February 9, 2015

جلسة مع مفكر النقاد د. عبدالله الغذامي



جلسة مع مفكر النقاد د. عبدالله الغذامي





كلما زادت محبة إنسان أو تقديره صعبت الكتابة عنه، ربما هذا ما أخرني في تدوين أول لقاء مع الدكتور عبدالله الغذامي في مدينة الرياض. التقيته بعدها بأسابيع في لندن، كان اللقاء الثاني مشوبا بالقلق على صحته، تفاجأت كغيري بخبر إصابته بالسرطان، لم أجد ما يشفي غليل الاطمئنان عليه سوى تغريدة كتبتها ابنته، حتى عثرت على خبر في صحيفة "عكاظ" أنه يتعالج في لندن من هذا المرض الخبيث الذي يتخيّر خيار الخلق ليرميهم بسهم ابتلائه، وللتذكير فهو نفس المرض الذي أصاب أحمد مطر شفاه الله وكتبت عنه في مدونة سابقة بعنوان "لقاء مع المطر"، ولكنه كان أخف وطأ مع الغذامي ولله الحمد، فاكتشافه المبكر جعل علاجه أسرع وأسهل، وأسأل الله أن يكون شفاؤه نهائيا لا عودة للمرض معه.

وقصة اكتشاف المرض مبكرا إحدى نعم الله، فقد لعبت الصدفة أو بالأصح فضل الله دورا في تخفيف وطأة المرض، فلم تفلح الفحوصات السنوية التي يجريها الغذامي في اكتشاف المرض، ولم يكن الإحساس الخفيف به يوحي بخطورته، وعندما سافر إلى بريطانيا لم يكن سفره لأجل العلاج بل للسياحة، وبعد استجابة متأخرة مترددة لدعوة كريمته وزوجها، اضطر بعدها للبحث عن رحلات عاجلة إلى لندن. بعد مرور العارض الخفيف عليه، ذهب وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلى المستشفى، وبعد رؤية الطبيب، وطلبه فحوصات، يتذكر أنه كان سيغادر المستشفى بلا عودة، لو قيل له أن أخذ التحاليل والأشعة سيتأخر، لكنهم قطعوا عليه تردده عندما كان ذلك فوريا. أخبره الطبيب في الزيارة الثانية بشكوكه، فطلب الغذامي منه استئصال الكلية المتضررة كاملة، فتحفظ الطبيب في البداية على القرار قبل تأكده من المرض واستشارته لأطباء آخرين.



أكتفي بهذا القدر من اللقاء الثاني، فلم آخذ إذن الغذامي في نشره، وأعود لذكريات اللقاء الأول محاولا التشبث بما بقي  منه في الذاكرة، وكما هي القاعدة في كل مدونة فإن أي خطأ في نقل المعلومات سببه ذاكرتي وصاحبها، ولا يلام المنقول عنه في شيء من ذلك.

أول معرفة حقيقية للدكتور عبدالله الغذامي كانت بعد قراءتي لكتابه "الحداثة"، وأقول حقيقية لأن الكتاب هو عقل وقلب كاتبه، وهما ما يحتاجه المرء للتعرف على آخر. الغذامي قال  أيضا إنه يكرر دائما مسؤوليته عمّا في كتبه فقط وليس عما يكتب عنه أو على لسانه في الصحافة، ومن أراد محاسبته فليحاسبه على ما جاء بين ثنايا كتبه، ولذلك ليس من عادته النفي أو مكالمة أحد لتصحيح ما جاء في صحيفة، ولهذا أيضا ذكر أنه لم ينتبه لخطأ اسمه الأول في قصيدة قديمة كنتُ نشرتُها في "تويتر" بعد أن وجدتها في أرشيف صحيفة "الجزيرة":




أردفت قراءة الكتاب الأول له بكتاب "الخطيئة والتكفير"، وكان ذلك رغبة في استرجاع تاريخ أبرز حركة ثقافية مرّت ببلادنا وهي "الحداثة"، كان كتاب "الخطيئة والتكفير" سببا في هجوم طال أمده على الغذامي من قبل مناوئي الحداثة، ولم يكن وحيدا أمام تيار المناوئين بل كان معه مجموعة من النقاد والشعراء الذين تجاوز الجور في الخصومة بحقهم الجانب الأدبي الثقافي إلى الاجتماعي. لم أرتح -بعد قراءة بعض نتاج الطرفين- لمنهجية مناوئي الحداثة التي تعسفت في تفسير بعض النصوص الأدبية لإثبات شيطنتها. بعد هذه القراءات استمرت قراءتي لمؤلفات الغذامي ومقالاته، وأرى أنه تميز عن مجايليه ولاحقيه من النقاد بنزعته إلى الشعبي أكثر من النخبوي، ولذلك تحول من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي، واقترب من الناس باستقراء التأثير الثقافي لبعض الظواهر الاجتماعية. ولعل هذا ما حوله من مجرد ناقد أدبي إلى مفكر مجتمعي.


أردت أن أتوج هذه المعرفة القرائية بلقائه، ولم تكن تسمح لي فترة إقامتي القصيرة بالرياض بانتظار أمسية يقيمها أو محفل يحضره، فتواصلت معه في "تويتر"، وكان كما هو كريما في تواصله مع الناس في وسائل التواصل كريما في رده، ووقاني من مصيدة الوليمة ظرف سفري الطارئ الذي قدّره فتقابلنا في نفس يوم الاتصال.


اتفقنا على اللقاء بعد صلاة المغرب مباشرة ليكون هناك متسع من الوقت للحديث، صلّيت بمسجد اعتقدته مجاورا للمنزل، وبعد الخروج من الصلاة سألت أحد المصلين عن بيته، فأجاب بمعرفته بسكنى الغذامي بالقرب لكن لا يعرف بالتحديد بيته، وحمّلني إيصال محبته ومتابعته لكتاباته.



بعد الاستزادة من الوصف، وصلت منزله فوجدته -من كرمه وحسن ضيافته- واقفا بالقرب من منتصف الشارع حتى يضمن عثوري على المنزل. بادرته ونحن في الطريق للمجلس بالاستفسار عن عدم حضوره حفل مرور خمسين عاما على نشأة النادي الأدبي بالرياض، وإذا ما كان السبب مقاطعته الشهيرة للأندية الأدبية، فرد أن المقاطعة كانت بسبب نظام تعيين الرؤساء الذي عارضه مطالبا بمنح المثقفين والأدباء حرية انتخاب واختيار من يمثلهم. وبعد تحقق هذا الطلب لم يعد هناك سبب للمقاطعة، ولكنه قليل الخروج في الليل.


تشعّب الحديث، وكانت كل ساعة منه كتابا من الفائدة والثراء. تطرّق إلى الابتعاث إلى المملكة المتحدة  في السبعينات عندما كان المبتعثون لا يتجاوزون العشرين، منهم مبتعثة واحدة كانت على نفقة الملك فيصل رحمه الله. كان ابتعاثه في أدنبرة مسرحا للكثير من التجارب والخبرات، شارك مع مظاهرات للتنديد بتخاذل الأمم المتحدة، ويتذكر أن الباكستانيين كانوا أصحاب خبرة في تنظيم المظاهرات، من ضمن ما فعلوه رفعهم نعشا كُتب عليه "الأمم المتحدة" ليعلنوا وفاتها وتشييعها، وفي الصباح ركّزت الصحف على هذه الرسالة الإيحائية في صورها وتقاريرها.

ولا يتذكر أن أحداً فرض عليه إملاءات أو منعه من الخروج في المظاهرات الداعمة للقضايا العربية والإسلامية، عكس أحد المبتعثين العراقيين الذي كان يظهر الحماس للقضايا القومية، فلما فرح الطلاب العرب والمسلمون بقرار الملك فيصل إيقاف تصدير النفط ردا على دعم الغرب لإسرائيل، فوجئوا بتبدل موقفه، ومعارضته للقرار، متحججا أنه سيحرمهم من المال الكافي للتزود بأحدث الأسلحة. وفي الصباح بعدما تناقلت وكالات الأنباء موقف النظام البعثي العراقي المعارض لإيقاف تصدير النفط علموا سر تبدل موقف زميلهم، وأن دافعه الخوف من حزب البعث لا الحرص على مصلحة الأمة العربية.



* بطاقة القطارات للغذامي عندما كان طالبا في جامعة إكستر
كانت الجامعة نشطة في المحاضرات والمناظرات. وكان بعضها يُنظّم على شكل برلمان يناقش قرارات؛ فتُعطى الفرصة للمؤيين والمعارضين لإبداء آرائهم. في إحدى المناظرات الساخنة، وقع الاختيار عليه لإدارتها، فقد اتفق على ترشيحه جميع الأطراف لقربه من الجميع، ولأنه ليس محسوبا على أحد منهم. في تلك الليلة احتدّت الآراء، وتعدد المتداخلون، ورغم ذلك استطاع الإمساك بزمام إدارة المساجلة. بعد انتهاء المحفل، اقترب منه زميل ماليزي، أثنى على إدارته لكن نصحه بثلاث نصائح: أولها ألاّ يستخدم يده لإيقاف متحدث، وثانيها ألا يستخدم معه مفردة "لو سمحت" لإيقافه، وثالثها: ألا يقف، وذلك لأن كرسي الرئاسة يستمد قوته من صلاحياته، فلا يحتاج إلى وسائل مساعدة أخرى لإدارة الحوار، بل إن استخدام هذه الوسائل قد يفقد الكرسي هيبته.



سألته إن كانت هذه التجربة قد أفادته عندما أدار واحدة من الأمسيات الثقافية التاريخية، بل أشهرها، حين اجتمع الحداثيون مع مناوئيهم في قاعة واحدة. أقيمت هذه الأمسية عام 1982 في نادي جدة الأدبي، وتحدث عنها الغذامي في كتابه "حكاية الحداثة"، كان شعراء الأمسية -من اليمين إلى اليسار- أحمد عائل فقيهي ومحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي وعبدالله الصيخان، وكان هناك مجموعة من النقاد البارزين. يذكر الغذامي أن الأمر كان مجردة أمسية شعرية نقدية لشعراء شباب، لكن بلغه قبل الأمسية حضور مجموعة كبيرة من أصحاب الرأي المعارض للحداثة، وخشية انفراط عقد الأمسية، وتبعثرها بالفوضى والسجالات التي تحرم الحضور الفائدة، استقر رأيه على أن يعلن منذ البداية عن نظام حازم لبرنامج الأمسية، وهو تقسيمها إلى أربع فقرات، الأولى الاستماع إلى قصائد الشعراء، والثانية مناقشة القصائد، والثالثة الاستماع إلى الرأي النقدي التنظيري عن الحداثة، وتخص الفقرة الرابعة وجهة النظر المخالفة للحداثة الشعرية، ومرت الأمسية المناظرة بسلام كما مرت مساجلة أدنبرة.

حدثته عن شكري لنادي جدة الأدبي على نشرهم الأمسية وعتبي على عدم إدراجهم للجزء الأخير منها المثير للجدل، لأنها تعد وثيقة تاريخية أدبية بكل محاسنها وعيوبها، ومن الأمانة الأدبية نشرها كاملة لمعرفة آراء جميع الأطراف.







كنت معجبا بوصية توفيق الحكيم في طبع كتبه بنسخات شعبية حتى لا يثقل على أحد شراؤها، فوجدت أن الغذامي ينشرها بالمجان على موقعه على الانترنت، سألته عن سر هذا التصرف، فأجاب أنه لم يبحث في يوم من الأيام عن الربح المادي، وأنه لجأ إلى نشرها على الانترنت بعدما لمس صعوبة وصولها إلى بعض القراء، ففي إحدى المرات طلبت منه قارئة من فلسطين المحتلة كتابا فشلت كل محاولاتها في الحصول عليه، فأرسل لها الكتاب عن طريق شركة بريد عالمية، ومع ذلك لم يصلها، وهناك قراء من دول ليس فيها خدمات بريدية جيدة كبعض الدول الأفريقية، لذلك وجد أن أفضل طريقة هي نشره في الانترنت ليستطيع أي قارئ الوصول إليه. وعما إذا كان ذلك سيضايق الناشر أجاب باتفاقه مع الناشر الذي لم يمانع في توفيرها على فضاء الانترنت. ورغم عدم اعتراض الغذامي على فكرة توقيع الكتب، لكنه يتحرج شخصيا من رؤية القارئ يشتري الكتاب أمامه ثم يأتي به ليوقعه.







*الغذامي في مكتبته المنزلية
يلتزم الغذامي بنظام صارم في بيته بعد أن تفرغ للقراءة والكتابة بعيدا عن العمل الأكاديمي، فهو يستيقظ في وقت مبكر، ويحدد جدولا زمنيا ليومه يلتزم فيه بمواعيد القراءة والكتابة والمهام اليومية، أحد التزاماته الشهيرة هي ما عرف عنه في تويتر من توديع المتابعين في الساعة الثامنة بتوقيت مكة، وتتأخر صيفا إلى التاسعة، حتى أصبح تتغريدته التوديعية منبها دقيقا يشير إلى حلول الساعة الثامنة مساء. وربما كان هذا الالتزام سببا في تعدد  مؤلفات الغذامي التي أثرت المكتبة العربية. سألته عن الوقت الذي يستغرقه لتأليف كتاب، فذكر أنه يستغرق على الأقل ثلاث سنوات، في خلال هذه الثلاث سنوات تكون فكرة الكتاب قد تخمرت، يقوم بعدها بجمع كل المعلومات والمصادر حولها، ويلقي بعض ما كتبه عنها في الأمسيات الثقافية ويكتب عنها بعض المقالات، فتتكون لديه بعد ذلك مادة  خام للكتاب، يشتغل بعدها على ترتيبها وتنسيقها وتنقيحها قبل إرسالها إلى الناشر. كان وقت اللقاء في المرحلة الأخيرة من كتاب يرصد فيه الظواهر التي طرأت بعد وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تويتر. رصد فيها بعض الإيجابيات والسلبيات بشواهدها، وحرص أن يخفي هوية بعض أصحاب التغريدات محل الاستقراء، لأنه لا يقصد التشهير بقدر ما يقصد النقد والإصلاح. أما إذا كان اسم المعرف مستعارا فيذكره لأن بإمكان صاحبه تغييره متى أراد. وأترك هذه المدونة مع خبر سعيد هو أن الكتاب قد انتهى الآن، وسيكون قريبا في المكتبات.




*تنويه: الصور المرفقة منقولة بتصرف من موقع الدكتور عبدالله الغذامي


Wednesday, November 5, 2014

بائعة الكتب

بائعة الكتب



لفت انتباهي وأنا أتنقل بين رفوف الكتب في مكتبة "ووترستون" وريقات صغيرة وضعت على الرفوف تحت بعض الكتب، اقتربت من إحداها، قرأتها فوجدت فيها عرضاً ملخصا وتقييماً -مكتوباً بخط اليد- للكتاب الذي فوقها، تعوّدت على التقييم في موقع "قودريدز" لكن لأول مرة أجده مكتوباً في مكتبة تجارية. استغليت فرصة قلة الزبائن لأسأل البائعة خلف "الكاونتر" عن سر هذه الملخصات، أجابت بأن موظفات المكتبة وموظفيها يقومون أحيانا بعد قراءة كتاب بكتابة انطباعاتهم حوله. سألتها إن كان هذا مفروضا عليهم من إدارة المكتبة، فنفت قائلة إنها لم تشاهد خطابا يجبرهم على ما فعلوه، بل هو تقليد وجدته منذ التحقت بالمكتبة قبل خمسة عشر عاما، وما زالت تمارسه منذ ذلك الحين. وذكرت أنهم لا يمانعون من تعليق ملاحظات الزبون لو أتى بها، قلت لها إن التعليقات حول الكتب كلها إيجابية، فماذا لو وجدت كتابا سيئا، أيسمح لها بتعليق ملاحظات سلبية عنه؟ فأجابت: ليس هناك كتاب سيء، ما أجده سيئا قد يعتبره غيري جيدا. 





إذا أردت من أحد أن يتحدث بحماس وفرح فأسأله عن هوايته، هذا ما بدا لي وأنا أستمع للبائعة بعد أن استطردَت في الحديث عن الكتب، كانت عاشقة للقراءة محبة للكتب قبل أن تكون بائعة يقتلها روتين العمل. كانت فخورة بعملها لأنه يتيح لها قراءة الكتب حتى قبل الإعلان عن صدورها في الأسواق، ويتركها بين الكتب فلا تشعر بالملل لو للحظات وهي تتصفح هذا الكتاب وتقرأ ذاك دون أن تدفع بنساً واحداً، وتحرص على أن تكون هداياها لأصدقائها وأسرتها في أعياد ميلادهم وأعياد "الكريسماس" كتبا تناسب هواياتهم وأعمارهم. 


تحدّثَتْ عن الفارق الكبير بين إبداع الروايات وتواضع الأفلام المأخوذة عنها، وكرهها لمشاهدة الأفلام بعد قراءة رواياتها الأصلية. استشهدت على ذلك برواية "الرحلة الطويلة" للبولندي سلومير راويز الذي ادعى فيها هروبه عام ١٩٤١ من معسكر اعتقال روسي في سيبيريا مع ستة معتقلين، وروى فيها المصاعب التي واجهتهم، وتعرّض بعضهم للوفاة حتى وصولهم أخيرا إلى الهند. اشتهرت هذه الرواية في بريطانيا، وادّعى بعض المعتقلين السابقين أنهم أبطال القصة الحقيقيون، فيما كشف تحقيق للبي بي سي أجري عام ٢٠٠٦ واعتمد على كشوفات المعتقلات الروسية أن سلومير راويز أُطلِق سراحه ورحّل إلى مخيمات لاجئين في إيران، وأن قصة هروبه مختلقة. هذه الرواية تحولت عام ٢٠١٠ إلى فيلم لكن بعنوان آخر "رحلة العودة" قالت عنه البائعة أنه شوّه جمال العمل الروائي في الكتاب الأصلي. 

نفس الشيء توقعَته لفيلم "فتاة راحلة" المعروض حاليا في دور السينما والذي يقوم ببطولته بن أفليك، الفيلم مأخوذ عن رواية بنفس الاسم لجيليان فلين، نشرت عام ٢٠١٢ ولاقت نجاحاً كبيرا جعلها من أكثر الكتب مبيعا حسب قائمة نيويورك تايمز. 



أشاركُ البائعة نفس الشعور تجاه الأفلام المأخوذة عن الروايات، أتذكّر نقاشاً دار بيني وبين معلمي البريطاني - أيام ابتعاثي في أمريكا-  عن أفضلية الفيلم أو الرواية، بعد أن كتبتُ مقالا كأحد واجبات تعلم اللغة، ذكرت فيه البون الشاسع بين إحساسي برواية "العجوز والبحر" لهيمنجواي، وبين تضاؤل هذا الإحساس أثناء مشاهدتي لفيلم مأخوذ عنها، أتذكر أني قرأت الرواية لأول مرة وحيداً في غرفتي، كان هيمنجواي بارعاً لدرجة تجعل القارئ يكاد يشعر بالبلل من الأمواج التي تجعل المركب يترنح كسكّير جريح. ويتخيّل الموج وكأنه جبلٌ لا قمة له يهجم على العجوز البائس الذي يأبى أن يودّع قوته وأمجاد شبابه. أفضل مخرجٍ يعجز عن مجاراة خيال القارئ في تصوير الحدث، وإلباس شخوص الرواية وأماكنها لباس الواقع. في "شفرة دافنشي" لدان براون حدث العكس، شاهدتُ الفيلم الذي بطله توم هانكس قبل قراءة الرواية، ولمّا قرأت الرواية كنت كمن لم يشاهد فيلما عنها قطّ من شدة اختلاف التفاعل معهما. 



ودّعت البائعة بعد هذا الحوار الممتع معها، وسألت نفسي وأنا أخرج من المحل، هل يوجد في بلداننا العربية بائع للكتب يعشق مهنته؟ كهذه التي قضت خمس عشرة سنة من حياتها مستمتعة بعملها قانعة به محافظة عليه؟.

ربما على المكتبات عامها وخاصها أن تطوّر ثقافة العمل لديها، لتجعل من موظفيها عشاقا لما يبيعون وما يتعاملون معه، وتمنحهم التقدير والرضا الوظيفي والتحفيز الذي يجعلهم يفنون أعمارهم لخدمة الكتاب وقرائه. 


Wednesday, August 27, 2014

لقاء مع المطر (٥)

لقاء مع المطر (٥) 



لا أتذكر كيف وصلنا إلى سيرة “هيلين كيلر”، وما صلتها بما سبقها من حديث، كل ما أتذكره أن أحمد مطر تحدث عنها بإعجاب، أحسست وكأنها رافقته أيام محنته، أو كأنه تذكر صبرها عندما كان بحاجة إلى الصبر، وشجاعتها في مقاومة إعاقتها عندما كان يقاوم السرطان، شرح كيف استطاعت هذه المرأة -وهي المفتقدة لمقومات العيش كالأصحاء- أن تفوقهم في إنجازها وكفاحها، تحدث عن معلمتها (آن سوليفان) وكيف صنعت بمثابرتها وإخلاصها نفساً متوقدة وعقلا متفتحا من جسد لا حراك به سوى قلبه وعقله. كتب مطر عنها مقالا اسمه “المبصرون”، لمّا رجعت إلى المقال بعد اللقاء، وجدته استعرضه كأنه يقرأه بكل تفاصيله، فلم أجد تفسيرا لاستحضاره دون سائر المقالات إلا تمثّله إياها أثناء حربه الشرسة مع المرض.



انتقد أحمد مطر شعراء مشهورين لم يأذن لي في نشر أسمائهم، وسبب الانتقاد قرب هؤلاء من السلطة، يقول: “الشاعر لا يكون سلطويا حتى لو كان أبوه سلطانا، الشاعر يجب أن يكون إنساناً”، وهذا الانتقاد منه ليس غريبا، فقد قضى عمره في محاربة السلطات القمعية، وبالنسبة إليه فأي شاعر يحابيها وينافقها من أجل مصالحه سيفقد أهم ما يملكه الشاعر، نزاهته وقربه من الناس وكفاحه من أجلهم. 



وعندما تطرٌّقت للصورة التي جمعته مع نزار قباني وأدونيس وبلند الحيدري وناجي العلي، امتدح تلك الفترة وأدباءها، قال إن نزار وبلند والبياتي وأدونيس وآخرين كانوا من الجيل الذي سبقهم، وكانت تجمعهم صفة مشتركة هي الدماثة، وهي التي جعلت العلاقات بينهم عامرة بالللطف والمودة، حتى نزار قباني -رغم جرأة قصائده- كانت صفته الحياء في تعامله مع الآخرين. 




يرفض أحمد مطر مسميّات قصيدة النثر والشعر الحر، هو يرى أن تسمى الأشياء بمسمياتها، الشعر هو الكلام الموزون المقفّى (تصحيح وتوضيح من أحمد مطر عن هذه الفقرة على هذا الرابط) ، ولو سلّمنا بالاستغناء عن القافية رغم أهميتها، فإنه لا يمكن بأي حال الاستغناء عن الوزن، فجمال القصيدة في جرسها الموسيقي الذي يضيف للكلمات اللحن والنغم. وهو يرى أن هناك مبدعون في كتابة النثر، لكن ذلك لا يعني تسمية نصوصهم شعرا، وحتى عندما كتب هو نصوصاً نثرية لم يسمّها شعرا، وكانت مجلة الحدث الكويتية قد نشرت له كتيبا صغيرا مرافقا للمجلة احتوى نصوصا نثرية بعنوان “أحاديث الأبواب”. 

اشتكى من القصائد المنسوبة زورا إليه، والتي لا تحمل أسلوبه وتخالف مبادئه، فمنها مثلا ما يحمل نفَساً طائفية، ومنها المكتوب بأسلوب ركيك يستطيع تمييزه محبو الشعر، ومن القصائد التي اشتكى منها قصيدة مطلعها “يا رسول الله عذرا” قال أحمد مطر: من أنا لأعتذر لرسول الله؟!. وقال إنه توقف عن النشر منذ ٢٠١٠ حتى تاريخ كتابة هذه المدونة، فأي قصيدة منشورة خلال تلك الفترة ليست له.

الغريب أن السرقة والانتحال لم تكن للنصوص فقط بل تعدّت إلى انتحال الشخصية، فقد انتشر قبل سنوات أن أحمد مطر ظهر في محافظة الرقة بسوريا وألقى قصائده هناك في محفل عام،

خبر في صحيفة عن "أحمد مطر" المزيف

تقبّل كثيرون الأمر وكأنه حقيقة، وتعجبوا كيف غيّر الزمن من شكله وهيئته، رغم الفروقات في الملامح والطول بين الشاعر ومنتحل شخصيته، أطلعته على صورة المنتحل، سائلاً، إن كان هذا المقصود؟ فرد بالإيجاب. قرأتها في تلك الأيام واستغربت الاختلاف الكبير، لكن لم يكن أحد يستطيع التأكد حينها لابتعاد أحمد مطر عن الإعلام.





نادراً ما تجد شاعراً يفضّل قصائد له على غيرها، فهو يراها جميعا كبناته، لا يدلل إحداها دون الأخرى، رغم أن الأبناء أحيانا قد يختلف حجم الحب لهم ومستوى القرب منهم حسب طباعهم. أحمد مطر كسر القاعدة، فعندما تطرقنا لقصيدة “حكاية عباس” قال إن بعض القصائد نالت شهرة أكثر من قصائد أخرى كانت تستحق شهرة أكبر، وهذا لا ينفي أن هذه القصائد نالت ما تستحقه من الاحتفاء، وكأمثلة على تلك القصائد؛ ذكر: 

قصيدة “انحناء السنبلة”: 




وقصيدة “استدراك”: 



لاحظت أن القصائد التي ذكرها لم تكن مثل غالبية شعره تحمل روح الهجاء الشديد للأنظمة، قد يكون الشاعر خشي على هذه القصائد وما نثره فيها من إبداع من الإهمال في ظل اهتمام الناس بالقصائد المباشرة التي تنوب عنهم في السخرية من أعدائهم، وفي قصيدته "استدراك" كان كمن يحاور نفسه، يتحدث عن عذاباته ومعاناته، التي كان يقاسيها وحده من أجل تلك القصائد الجريئة التي يتداولها الناس، كان حاله كمناضل يقف على المنصة شاتماً ومعريّاً الطغاة، فيصفق له الناس ويهللون ويكبرون، ثم يستفرد به الطغاة خلف الكواليس، فيسومونه سوء العذاب، ليُبعد عن الوطن العربي بلا ذنب سوى أنه كان عربيا ناطقا بالحقيقة في زمن الزيف، ويُهجّر إلى أرضٍ لا تشبه أشجارها نخيل أرضه الأم، ولا سحنة أهلها تشبه سحنة أهله التي لوّنتها الشمس بريشتها، ولا لغتهم كلغته التي رضعها منذ الصغر، وأخلص لها حتى كافأته بوضعه في مرتبة شعرائها النجوم. 


أسمعته أمسية قديمة له بغرض معرفة تاريخها ومكانها، فذكر أنها كانت في عام ١٩٨٤ في كلية الحقوق بجامعة الكويت، كان حينها مصابا بالزكام، ولكن لم يستطع الاعتذار بعد التزامه بهذه الدعوة.




لم يكن اللقاء سيكتمل دون التطرّق للثورات، التي طالما كانت أشعاره شعارات لها، لقد بدأ الثورة قبل عقود، فكان نصيبه الإبعاد والملاحقة والتضييق، يقول إن ولده نقل إليه الخبر وهو على سرير المرض، فلم يستطع حتى إظهار الفرح حينها، لكنه كان سعيدا -في داخله- بأن السنوات التي قضاها طريدا مشرّدا لم تذهب هدرا. في الأيام التي تلتها، شاهد النهاية البائسة للثورات، لكن مع ذلك ما زال محتفظاً بالأمل، متفائلاً بتحسن الحال في المستقبل، قال إنه مع كل الثورات، وضد كل الأنظمة الطاغية، "يكفي الثورات أنها أعادت الأمة العربية إلى الحياة، من كان يصدّق أن هذه الجثة الهامدة التي تسمى الأمة العربية ستثور على صمتها! وستُبعث فيها الحياة لتقول: لا للطغيان!، انهار جدار الخوف، وهذا هو الأهم، لأنه سيجبر الحكومات على تغيير معاملتها للشعوب، بعد أن فهموا أن إغضابها سيسقط عروشهم، لن يعود الزمن للوراء، إلى ما كانت عليه الحال من ذل واستعباد".

فاتني أثناء الجلوس معه أن أطلب من أحد تصويرنا، ولم أتذكر التصوير إلا بعد خروجنا من المقهى، وحدث ما توقعته من رفضٍ مبدئي، فطبيعته الزاهدة في الأضواء والفلاشات جعلت صوره نادرة، آخر صورة التقطت له مرّ عليها عقد أو أكثر من السنوات، اعتذر طالباً تأجيلها، لم يكن يرغب أن يجده محبوه على حال من الإنهاك والتعب، وهو الخارج للتو من معركة شرسة مع المرض لم ترحل آثارها بعد، قاده كرمه إلى الموافقة بعد فاصل من الإقناع، ولأنه لم يكن أحد معنا فقد كانت صورتنا المشتركة "سيلفي" احتفظت بها لذكرى شخصية جميلة، ونشرت الصورة التي حمدت الله أني أخذت الإذن في نشرها، فلولاها لربما اتُهمت أني أحاور شخصية خيالية، وأن ما أكتبه هو حلقة من سلسلة الافتراءات على الشاعر الكبير، وانتحال قصائده وشخصيته. وهي الصورة التي طمأنت محبي الشاعر على صحته، خاصةً بعد انتشار شائعة وفاته على نطاق واسع.



بنهاية الجزء الخامس انتهت قصة اللقاء مع المطر أحمد مطر، وأريد في الختام التذكير أن كلماته كانت بتصرف مني، اعتمدت فيها على ما علق في الذاكرة، فأي خطأ في إيصال تعبيره وعباراته أتحمله، وأتمنى أن يكون هذا اللقاء باكورة عودة شاعرنا الكبير إلى الحياة العامة، كي يحمي شعره من التزييف، ويتواصل بشكل مباشره مع محبيه الذين بادلوه الوفاء والعرفان لما قدمه من تضحية في التمسك بمواقفه ومبادئه رغم الإغراءات والتهديدات.

Monday, August 25, 2014

لقاء مع المطر (٤)

لقاء مع المطر (٤) 


انتقلنا إلى سيرة ناجي العلي، من الصعب شرح تعابير أحمد مطر ونبرات صوته بعدما مرّ اسم ناجي العلي، تغيّر تماماً، ازدادت سرعة حديثه، كان كمن يحبس الدمعة كي لا تخرج، ويكتم الآهة في داخله، فتغص حنجرته بالكلمات، أحسست وقتها أن تعابيره وملامحه تقول لي: يا أخي، أنتم لا تعرفونه حق المعرفة، لو عرفتموه كما عرفته لما مررتم على اسمه إلا والحزن يأكل قلوبكم والدمع يتساقط من عيونكم. 

عندما جاء ذكر ناجي العلي للمرة الثانية، كنا بجانب بوابة الميترو مستعدّين للمغادرة، ومع ذلك لم يسمح مطر أن يمر اسم ناجي من غير أن يوفي سيرته حقها، وقف، والتفت إلي، وعاد نفس الحزن والغصة إلى ملامحه وصوته، كأنه جندي يقف في الذكرى السنوية لصاحبه الجندي الذي سقط بشجاعة في أرض المعركة.



كان أحمد مطر كمن وجد توأمه عند لقائه بناجي العلي في الكويت، توافقت روحاهما فتآلفتا، يتشاركان صفة الشجاعة والشهامة والطيبة، والتمرد على الطغيان، ومحاربة فساد السلطات. جعلا صحيفة القبس في الثمانينات شعلة من النشاط، وجحيما إعلاميا لكل فساد سياسي، تزايدت الضغوط فهاجرا أو هُجّرا معاً إلى لندن، حيث استمرا في العمل في مكتب صحيفة القبس هناك. 

كان الانتقاد في تلك الأيام شجاعة غير مأمونة العواقب، فترة الثمانينات حفلت بالاغتيالات السياسية واختطاف الطائرات والتفجيرات وملاحقات المخابرات، ولكن ناجي العلي لم يأبه بهذا كله، لا خوف ولا كتمان لديه، ما يتردد في السر يحيله هو في العلن كاريكاتيراً شامتاً شاتماً بالأسماء والحقائق الصريحة. 




تزايد أعداؤه وكثر طلاّبه، وجاءته تحذيرات بترك لندن لأن اغتياله قادم، ومع ذلك لم يبدّل أيّا من مواقفه، ولم يوقف ريشته عن قصف كل من يراه خائنا للقضية مستفيدا من الفساد. 

يروي أحمد مطر أنه كان قبل الاغتيال بأيام في بيت ناجي الذي أصر عندما أراد المغادرة على توصيله إلى منزله رغم بعد المنزلين. في الطريق كان ناجي يرفض فكرة الخروج من لندن، "بعثونا ع لندن، فيه أبعد من لندن؟! لوين بدنا نروح؟!"، "يا عمّي اللي بدّه يطخّ يطخ"، قال له ناجي إنه مطمئن على وضع عائلته من بعد موته، بعدما أمّن لهم ما يعيشونه به حياة كريمة من بعده.

الشيء الوحيد الذي كان يخافه ناجي أن يتلطّخ فلسطيني بدمه، "تعرف يا أحمد، أتمنى اللي يقتلني ما يكون فلسطيني"، الدم الفلسطيني خط أحمر، هو فقط يريدهم أن يحسنوا قتلته بألا يلوثوا بدمه فلسطينيا من بني جلدته وبني قضيته التي تغرّب وحورب من أجل دفاعه عنها. ولكنهم -كائنا من كان قاتلوه- لم يحققوا له هذه الرغبة، فكلّفوا بهذه المهمة القذرة فلسطينيا، كما لم تتحقق وصية دفنه في مخيم الحلوة لتعانق عظامه تربتها، بعد أن حالت الظروف الأمنية من تحقيق هذه الأمنية. 


توفي ناجي العلي -أو بالأصح "استشهد" كما يقول أحمد مطر كلما ورد ذكر مقتله- في ٢٩ أغسطس عام ١٩٨٧، وعمره ٥١ عاما، كان عمر أحمد مطر حينها ٣٦، سألته كيف كانت صداقتكما بهذه القوة رغم الفارق العمري؟، أجاب: كانت روح ناجي الشابة تصغره بأعوام، كان يحمل روح الفتى الشاب الثائر المتقد حماسا، كان كلا منا يثق بالآخر، يفضفض للآخر، اشتركنا في مواجهة غربة جديدة علينا، كنا نتساءل: "ماذا عملنا؟! قتلنا؟! أجرمنا؟!". كنا نختلف في بعض وجهات النظر، لكنا نلتقي عند نقطة الصدق، لا يكذب أحدنا على الآخر، ولا يبيع أيٌّ منّا مبادئه.

"أُثقِلتُ جدّاً بموت ناجي" قال مطر، كان من المفروض أن نلتقي بعد نصف ساعة من اغتياله، كنت أعد لكتابي "لافتات ٢"، وبجاني "إلياس نصر الله" الذي استقبل مكالمة أخبرته بحادثة الاغتيال، هرعنا جميعاً إلى المستشفى، وبعدها بساعات نقل إلى مستشفى آخر. اخترقت الطلقة صفحة وجهه خارجة من النخاع الشوكي، لو كانت خرجت من مكان آخر لربما نجا ناجي، لكنه الأجل المحتوم. 

كنت أزوره يومياً في المستشفى -الكلام لأحمد مطر-، أراه مسجى على السرير، يتمتم محاولا الكلام ولا يستطيع، أحسست أن لديه كلاما كثيرا يودّ قوله لي، وأنا واقف أمامه، أبكي. كان الحوار بينهما بالعيون، حوار كلام مكبوت في صدر ناجي ودمع منهمر من عين مطر. 

الموقف الأصعب كان في المقبرة، نزل مطر وجوهر العلي -أخو ناجي الأكبر- في القبر لدفن جثمان الفقيد، قال جوهر، وهو يضع ناجي بين أحضان الأرض: كان ناجي يحب رائحة الأرض، فأجابه أحمد مطر: ناجي هو الأرض، واغتسلت بعدها تربة القبر بدموعهما.



كتب أحمد مطر مقالا نشرته مجلة الأداب البيروتية بعنوان "الأرض عندما تتنكّر بهيئة إنسان" يرثي فيه ناجي الإنسان المرتبط بالأرض المحب لها المدافع عنها:


ورثاه بقصيدة ـأحسبها من عيون الشعر العربي-، رغم إن عنوانها "ما أصعب الكلام" إلا أنها قالت كل ما يمكن أن يقال من الكلام عن هذا الفارس العربي الذي امتطى صهوة اللوحة وامتشق ريشته ليحارب الفاسدين المدججين بالأسلحة


وسأستكمل إن شاء الله الحديث عن موقف أحمد مطر من النثر، ومن شعراء السلطة، وهيلين كيلر في جزء لاحق.